اسد حيدر

183

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

والقضاء على مذهب الشيعة الفاطميين الذين كانوا يملكون مصر قبله ، ورغب الناس فيها بالأوقاف التي حبسها عليها ، فرغبوا فيها وأخذوا في تقليدها وهجروا ما عداها من المذاهب . وقد جاء المستنصر العباسي « 1 » بعد هذا فأنشأ في بغداد المدرسة المستنصرية سنة 625 ه - ، وأنفق في بنائها أموالا لا تحصى حتى تم بناؤها سنة 631 ه ، فاحتفل بافتتاحها احتفالا عظيما حضره بنفسه وحضر معه نائب الوزارة ، وكذلك الولاة والحجاب والقضاة والمدرسون والفقهاء ، وشيوخ الربط والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء ، وجماعة من أعيان التجار الغرباء ، واختير لكل مذهب من المدارس وغيرها اثنان وستون نفسا ، ورتب لها مدرسين ونائبي تدريس ، وكان المدرسان محيي الدين محمد بن يحيى بن فصلان الشافعي ، ورشيد الدين عمر بن محمد الفرغاني الحنفي ، وكان نائبا التدريس جمال الدين عبد الرحمن بن يوسف بن الجوزي ، وأبا الحسن عليا المغربي ، وجعل لها ستة عشر معيدا ، أربعة لكل مذهب ، وجعل ربع القبلة الأيمن للشافعي ، وجعل ربع القبلة الأيسر للحنفية ، وجعل الربع الذي على يمين الداخل للحنابلة ، وجعل الربع الذي على يساره للمالكية ، وقد شرط المستنصر في وقفه عليها أن يكون عدد فقهائها مائتين وثمانية وأربعين ، من كل طائفة اثنان وستون بالمشاهرة الوافرة ، والجراية الدارة ، واللحم الراتب إلى غير هذا من وسائل الترغيب في هذه المذاهب . فأقبل الناس على دراستها وأهملوا غيرها من المذاهب التي لم يقدر لها مثل هذه الأوقاف المغرية » . وهكذا أخذ الشباب والكهول يواصلون الدراسة على المذاهب الأربعة في مثل هذه المدارس ، ويسمعون في خلال دراستهم طعونا على أي مذهب آخر ، فيمتلئون حقدا على من لم يترك مذهبه لينتسب إلى أحد هذه المذاهب الأربعة . فكان ذلك من النتائج الأولى لتسلّم صلاح الدين دست الحكم في ظروف سياسية مرت بها دولة الفاطميين الذين تربّى صلاح الدين وذووه في ظل عزهم ، ولولا خدمتهم للفاطميين ما كانوا . وقد تحوّل صلاح الدين بشدة ومارس القسوة وهو يتربع على العرش الذي

--> ( 1 ) هو أبو جعفر منصور بن الظاهر ولد سنة 588 ه - وبويع له سنة 623 ه - وتوفي سنة 640 ه - .